يحيي بن حمزة العلوي اليمني
60
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
الرقة واللطافة ، والأحرف فيهما واحدة من غير اختلاف ، وما وقع الاختلاف إلا في التأليف لا غير ، وربما وقع في الألفاظ ما يكون هو ومقلوبه في غاية الحسن والرقة لا مزية لأحدهما على الآخر ، وهذا كقولنا « غلب » إذا قهر ، فإذا قلبته قلت « بلغ » فهاتان اللفظتان سواء في الفصاحة ، وهذا كقولنا « ملح » الشئ من الملاحة ، فإذا قلبته قلت فيه : « حلم » من الحلم والرجاحة ، فكل واحد منهما لا مزيد على حسنه ، وكل هذا يدلك على أن المعول عليه في ذلك هو ما يجده الإنسان عند التأليف من الذوق والرقة ، ولهذا فإنك ترى الكلمات المستعملة في كلام الله تعالى والسنة النبوية مؤلفة تأليفا معجبا على نهاية اللطافة والرشاقة والرقة ، فحصل من مجموع ما ذكرناه أنه لا بدّ من مراعاة أمور في تأليف الكلمة لتكون فصيحة . « أولها » : أن لا تكون تلك الأحرف متنافرة في مخارجها فيحصل الثقل من أجل ذلك . « وثانيها » : أن تكون معتدلة في الوزن فإن الأوزان ثلاثة : ثلاثية ورباعية وخماسية ، فأكثرها استعمالا هو الثلاثي ، وما ذاك إلا لخفته ، وأبعدها في الاستعمال الخماسى لأجل كثرة حروفه ، وأوسطها الرباعي لحصوله بين الأمرين ، والتعويل في ذلك على الذوق ، فإنها ربما كثرت وهي خفيفة على اللسان كقوله تعالى : فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [ البقرة : 137 ] وكقوله : لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ [ النور : 35 ] ، ولهذا عيب على امرئ القيس في قوله : غدائره مستشزرات إلى العلا * تضل العقاص في مثنّى ومرسل « 1 » وثالثها : توالى الحركات فإذا حصل سكون الوسط كان أعدل ما يكون وأرق وإن توال ثلاث فتحات فهو أخف من حصول الضم في وسطه ، فلهذا فإن فرسا ، أخف من عضد ، والمعيار في ذلك هو عرضه على ما قلنا من تحكيم الذوق ، ولهذا فإنه قد يتوالى ضمتان وهو غير ثقيل كقوله تعالى ضَلالٍ وَسُعُرٍ ( 47 ) [ القمر : 47 ] وقوله : فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ( 52 ) [ القمر : 57 ] فالتعويل على ما ذكرناه في كل أحواله وبالله التوفيق .
--> ( 1 ) الضمير عائد إلى الفرع في البيت السابق وهو قوله : وفرع يزين المتن أسود فاحم * أثيث كقنو النخلة المتعثكل . مستشزرات : مرتفعات أو مرفوعات وهي موضع الشاهد .